المقريزي

200

إمتاع الأسماع

وقد رواه شرحبيل بن مسلم الخولاني عن أبي أمامة الباهلي ، عن هشام بن العاص ، قال : بعثني أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ورجلا آخر من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام ، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة ، فنزلنا على جبلة بن الأهتم الغساني ، فذكروه . . . وزاد بعد قوله في صورة نبينا عليه السلام وذكر موسى وهارون : ففتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان حسن الوجه ، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا لوط ، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أجنأ ، خفيف العارضين حسن الوجه ، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا إسحاق ، ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة تشبه صورة إسحاق ، إلا أن بشفته السفلى خالا ، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا يعقوب ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة ، يعلو وجهه النور ، يعرف في وجهه الخشوع ، يضرب إلى الحمرة فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، فقال : هذا إسماعيل جد نبيكم ، ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم ، كأن وجهه الشمس ، قال : هل تعرفون هذا ؟ [ قلنا : لا ، قال : ] ( 1 ) هذا يوسف . ثم ذكر قصة داود وسليمان وعيسى مثل حديث موسى ابن عقبة ، وزاد : قال : فلما قدمنا على أبي بكر رضي الله تعالى عنه حدثناه بما رأيناه وما قال لنا وما أرانا ، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال : مسكينا ، لو أراد الله به خيرا لفعل ، ثم قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : ( يجدونه مكتوبا عندهم في التورة والإنجيل ) ( 2 ) . * * *

--> ( 1 ) زيادة للسياق من المرجع السابق ص 291 . ( 2 ) وأخرج الإمام أحمد في ( المسند ) ، من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل عن الجريري ، عن أبي صخر العقيلي ، حدثني رجل من الأعراب قال : " جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من بيعتي قلت : لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه ، قال : فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون ، فتبعهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهودي ناشرا التوراة يقرؤها ، يعزي بها نفسه على ابن له في الموت ، كأحسن الفتيان وأجمله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالذي أنزل التوراة ، هل تجد في كتابك ذا صفتي ومخرجي ؟ فقال برأسه : هكذا ، أي لا ، فقال ابنه : إني والذي أنزل التوراة ، لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فقال : أقيموا اليهود عن أخيكم ، ثم ولى كفنه ، وحنطه ، وصلى عليه " . ( المرجع السابق ) : 6 / 571 ، حديث رقم ( 22981 ) . وذكر ابن كثير في ( التفسير ) ، عند قوله تعالى في سورة الأعراف : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدون مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) ، باختلاف يسير ، وقال في آخره : هذا حديث جيد ، قوي له شاهد في الصحيح عن أنس ( تفسير ابن كثير ) : 2 / 262 . وأما حديث صور الأنبياء ، فقد أخرجه ابن كثير في ( التفسير ) ، عن الحاكم صاحب ( المستدرك ) : أخبرنا محمد بن عبد الله بن إسحاق البغوي ، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ابن إدريس ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن شرحبيل بن مسلم ، عن أبي أمامة الباهلي ، عن هشام ابن العاص الأموي قال : بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام ، فخرجنا حتى قدمناه الغوطة - يعني غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأهتم الغساني ، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له ، فأرسل إلينا برسوله نكلمه ، فقلنا : والله لا نكلم رسولا وإنما بعثنا إلى الملك ، فإن أذن لنا كلمناه ، وإلا لم نكلم الرسول ، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك ، قال : فأذن لنا فقال : تكلموا ، فكلمه هشام بن العاص ، ودعاه إلى الإسلام ، فإذا عليه ثياب سود ، فقال له هشام : وما هذه الثياب التي عليك ؟ فقال : لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام ، قلنا : ومجلسك هذا لنأخذنه منك ، ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله ، أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : لستم بهم ، بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل ، فكيف صومكم ؟ فأخبرناه ، فملئ وجهه سوادا فقال : قوموا ، وبعث معنا رسولا إلى الملك ، فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة قال لنا الذي معنا : إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك ، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال ، قلنا : والله لا تدخل إلا عليها ، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك ، فأمرهم أن ندخل على رواحلنا ، فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا ، حتى انتهينا إلى غرفة له ، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا ، فقلنا : لا إله إلا الله والله أكبر ، فالله يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح . قال : فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم ، وأرسل إلينا أن ادخلوا ، فدخلنا عليه وهو على فراش له ، وعنده بطارقة من الروم ، وكل شئ في مجلسه أحمر ، وما حوله حمرة ، وعليه ثياب من الحمرة ، فدنونا منه ، فضحك فقال : ما عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم ؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية ، كثير الكلام ، فقلنا : إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك ، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل لنا أن نحيك بها ، قال : كيف تحيتكم فيما بينكم ؟ قلنا : إسلام عليكم ، قال : فكيف تحيون ملككم ؟ قلنا : بها ، قال : فكيف يرد عليكم ؟ قلنا : بها ، قال : فما أعظم كلامكم ؟ قلنا : لا إله إلا الله والله أكبر ، فلما تكلمنا به - والله يعلم - لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها ، قال : فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة ، أكلما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم ؟ قلنا : لا ، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك ، قال لوددت أنكم كلما قلتم انتفض كل شئ عليكم ، وإني قد خرجت من نصف ملكي ، قلنا : لم ؟ . قال : لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة ، وأنها تكون من حيل الناس ، ثم سألنا عما أرد ، فأخبرناه ، ثم قال : كيف صلاتكم وصومكم ؟ فأخبرناه ، فقال : قوموا ، فأمر لنا بمنزل حسن ، ونزل كثير ، فأقمنا ثلاثا ، فأرسل إلينا ليلا ، فدخلنا عليه ، فاستعاد قولنا فأعدناه ، ثم دعا بشئ كهيئة الربعة العظيمة ، مذهبة ، فيها بيوت صغار ، عليها أبواب ، ففتح بيتا وقفلا ، فاستخرج حريرة سوداء ، فنشرناها ، فإذا فيها صورة حمراء ، وإذا فيها رجل ضخم العينين ، عظيم الأليتين ، لم أر مثل طول عنقه ، وإذا ليست له لحية ، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله . فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا آدم عليه السلام ، وإذا هو أكثر الناس شعرا . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، وإذا فيها صورة بيضاء وإذا له شعر كشعر القطط ، أحمر العينين ، ضخم الهامة ، حسن اللحية ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا نوح عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، وإذا فيها رجل شديد البياض ، حسن العنين ، صلت الجبين ، طويل الخد ، أبيض اللحية ، كأنه يبتسم ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا إبراهيم عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فإذا فيه صورة بيضاء ، وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا نعم ، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وبكينا ، قال : والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس ، وقال : والله إن لهو ؟ قلنا : نعم إنه لهو ، كأنك تنظر إليه ، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال : أما إنه كان آخر البيوت ، ولكني عجلته لكم ، لأنظر ما عندكم . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، فإذا فيها صورة أدماء سمحاء ، وإذا رجل جعد قطط ، غائر العينين ، حديد النظر ، عابس ، متراكب الأسنان ، متقلص الشفة ، كأنه غضبان ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا موسى عليه السلام ، وإلى جنبه صورة تشبهه ، إلا أنه مدهان الرأس ، عريض الجبين ، في عينيه قبل ، فقال هل : تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا هارون بن عمران عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل آدم ، سبط ، ربعة ، كأنه غضبان ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا لوط عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة ، أقنى خفيف العارضين حسن الوجه ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا إسحاق عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال هذا يعقوب عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فيها صورة رجل أبيض ، حسن الوجه ، أقنى الأنف ، حسن القامة ، يعلو وجهه نور ، يعرف في وجه الخشوع ، يضرب إلى الحمرة ، قال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا إسماعيل جد نبيكم صلى الله عليه وسلم . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة كصورة آدم ، كأن وجهه الشمس ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال هذا يوسف عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فإذا فيها صورة رجل أحمر ، حمش الساقين ، أخفش العينين ، ضخم البطن ، ربعة ، متقلد سيفا ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا داود عليه السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة بيضاء ، فيها صورة رجل ضخم الأليتين ، طويل الرجلين ، راكب فرسا ، فقال ، هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا سليمان بن داود عليهما السلام . ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج منه حريرة سوداء ، فيها صورة بيضاء ، وإذا شاب شديد سواد اللحية ، كثير الشعر ، حسن العينين ، حسن الوجه ، فقال : هل تعرفون هذا ؟ قلنا : لا ، قال : هذا عيسى بن مريم عليه السلام . قلنا : من أين لك هذه الصور ، لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء عليهم السلام ، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله ؟ فقال : إن آدم عليه السلام ، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده ، فأنزل عليه صورهم ، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس ، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس ، فدفعها إلى دانيال . ثم قال : أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي ، وإني كنت عبدا لا [ يترك ] ملكه حتى أموت ، ثم أجاز فأحسن جائزتنا وسرحنا . فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا ، وبما أجازنا ، قال : فبكى أبو بكر وقال : مسكين ! لو أراد الله به خيرا لفعل ، ثم قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم . ( تفسير ابن كبير ) : 2 / 262 - 263 ، تفسير الآية ( 157 ) من سورة الأعراف . وهكذا أورده أيضا الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في ( دلائل النبوة ) : 1 / 385 - 390 ، باب ما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصورة الأنبياء قبله بالشام ، عن الحاكم إجازة ، فذكره ، وإسناده لا بأس به . وذكر أبو نعيم في ( الدلائل ) : 1 / 50 - 56 ، بنحوه وقال في آخره : قال الشيخ رضي الله عنه : ففي هذه القضية علم أهل الكتابين بصفة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وباسمه ، بعثته . وانتفاض الغرفة حين أهلوا بلا إله إلا الله ، وما يوجد من المعجزات بعد موت الأنبياء ، كما يوجد أمثالها قبل بعثتهم ، إعلاما وإيذانا بقرب مبعثهم ومجيئهم . ( المرجع السابق ) .